قالت صحيفة "يديعوت أحرنوت"، إن صور المناورات القتالية التي ظهرت من المنشآت العسكرية المصرية هذا الشهر ينبغي أن تثير قلقًا فوريًا داخل مجتمعات الدفاع والاستخبارات الإسرائيلية.


وأطلقت مصر وتركيا مناورة عسكرية مشتركة ضخمة، تحت اسم: "العُقاب الذهبي" في أعقاب اتفاقية إطارية دفاعية وقِّعت في القاهرة خلال زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفيعة المستوى. 

 

تدريبات متزامنة لقوات النخبة ووحدات الكوماندوز

 

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا لا يُعد مجرد تدريب روتيني في منطقة نائية. إذ تُجري قوات النخبة من المظليين والقوات الخاصة ووحدات الكوماندوز من كلا البلدين تدريبات متزامنة على الأراضي المصرية.

 

وأوضحت الصحيفة أنه على الرغم من أن المتحدثين العسكريين الرسميين يصفون هذه المناورات بأنها تعاون روتيني مع الدول الصديقة، إلا أن توقيتها وتكوينها يكشفان عن حقيقة أعمق.

 

وأضافت: "بالنسبة لأي شخص يفهم تعقيدات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، فإن هذا التقارب العسكري المفاجئ ليس إلا جرس إنذار خطير. فهو يمثل إضفاء الطابع الرسمي على علاقة كانت تُعتبر مستحيلة تماماً قبل بضع سنوات فقط".

 

ووصف التحليل التقارب بين مصر وتركيا بأنه "تحالف استراتيجي بارد وساخر بين قوتين استبداديتين، وقد تؤدي عواقبه طويلة المدى إلى زعزعة استقرار شرق البحر الأبيض المتوسط بشكل دائم، مع بث حياة جديدة خطيرة في الإسلام السياسي الإقليمي".

 

وذكر أن هذه المناورة هي ثاني تصعيد كبير في التعاون العسكري الثنائي هذا الصيف، بعد أن اختتم البلدان في أواخر يونيو 2026 مناورة جوية مشتركة ضخمة استمرت لعدة أيام، أُقيمت في عدد من القواعد الجوية الاستراتيجية داخل مصر، بمشاركة طائرات مقاتلة متطورة متعددة المهام، وتحديدًا طائرات إف-16 أمريكية الصنع، والتي تُشكل العمود الفقري لكل من الأسطول الجوي التركي والمصري.

 

وعقب تلك المناورات مباشرةً، نشرت مصر قواتها للمشاركة في مناورات "نسر الأناضول 2026" الجوية الثلاثية التي استضافتها تركيا إلى جانب قوات أذربيجان وحلف شمال الأطلسي. وخلال تلك الطلعات الجوية المكثفة، تدرب الطيارون على إجراءات القيادة والسيطرة المتقدمة، والضربات المنسقة، وتكتيكات الحرب الإلكترونية المعقدة.

 

الانتقال السريع من المناورات الجوية إلى تدريبات الكوماندوز 

 

ورأت الصحيفة أن "الانتقال السريع من مناورات القوات الجوية المعقدة إلى تدريبات الكوماندوز المباشرة يثبت أن هذا ليس مجرد تقارب دبلوماسي مؤقت، بل هو تكامل منسق للغاية ومتعدد المجالات بين اثنين من أكبر الجيوش في المنطقة، يعمل بشكل منهجي على بناء قابلية التشغيل البيني من الجو وصولاً إلى خنادق حرب المدن".

 

واعتبرت أن سرعة هذا التقارب العسكري تشير إلى أن الحواجز التقنية والتشغيلية يتم تفكيكها بشكل منهجي، مما يغير بشكل جذري ميزان القوى التقليدي.


واستعرضت الصحيفة كيف طوى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي صفحة الخصومة بينهما، "لكن ليس من أجل السلام الإقليمي، بل لأن مساراتهما الداخلية ومسارات نفوذهما الجيوسياسي قد تلاقت".

 

وأشارت إلى أن "تعاونهما العسكري الجديد يرسل رسالة قاتمة لا لبس فيها إلى إسرائيل والعالم الغربي مفادها أن المبادئ الأيديولوجية لا تعني شيئًا على الإطلاق عندما يكون بقاء الأنظمة الاستبدادية على المحك".

 

وتابعت الصحيفة في تحليلها: "بدعوة القوات التركية الخاصة إلى الأراضي المصرية، يمنح السيسي شرعية لزعيم أجنبي كرس حياته المهنية لمحاولة تقويض بنية الدولة العربية التقليدية. أما أردوغان، الذي يواجه عزلة اقتصادية شديدة وتحولات في التحالفات الدولية، فيرى في مصر وسيلة مثالية لإضفاء الشرعية على طموحاته الإقليمية".

 

"زواج قائم على المصالح"

 

ووصفت الصحيفة العلاقات بين الجانبين بأنه "زواج مصالح قائم على المصالح، حيث تكون عملة التبادل هي المعدات العسكرية، والعقيدة التكتيكية المشتركة، وإعادة تنظيم الهيمنة الإقليمية في نهاية المطاف".

 

وشددت على أنه "لا يمكن لإسرائيل أن تتجاهل التيارات الأيديولوجية الخفية التي تحرك السياسة الخارجية التركية".

 

وقالت إنه "في ظل حكم أردوغان الطويل، تحولت أنقرة من حليف علماني حيوي إلى دولة راعية رئيسة للإسلام السياسي. فقد آوت تركيا قيادات بارزة في حماس، ووفرت غطاءً دبلوماسيًا لشبكات متطرفة، وموّلت أنشطة جماعة الإخوان المسلمين في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط"، وفق قولها.

 

ورأت أن أردوغان يحلم علنًا باستعادة النفوذ العثماني التاريخي على الأراضي الإقليمية السابقة، مع وضع شمال أفريقيا على رأس أولوياته الجيوسياسية. وتشير التدخلات العسكرية التركية "العدوانية" في ليبيا، وحضورها القوي في سوريا، وتوسعها الجيوسياسي الأخير في القرن الأفريقي، إلى هدف واحد يتمثل في بسط النفوذ القومي الإسلامي، الناعم والصلب، في حوض البحر الأبيض المتوسط.

 

ونظرت الصحيفة إلى مناورات "العُقاب الذهبي" لتركيا على أنها تمثل  غطاءً مثاليًا، "فمن خلال دمج وحداتها النخبوية مع الجيش المصري، تضمن تركيا موطئ قدم دائم بالقرب من المياه الإسرائيلية والممرات البحرية الدولية الحيوية".

 

ومضت إلى القول: "هذا ليس مجرد تبادل تكتيكي، بل هو آلية تستخدمها تركيا لفرض نفوذها مباشرة على الحدود الجنوبية لإسرائيل تحت ستار شراكة عربية مقبولة".

 

وذكرت الصحيفة أنه "لسنوات، نظرت (تل أبيب) وواشنطن إلى مصر السيسي على أنها حصن منيع ضد التطرف الديني، مبني على التفكيك المنهجي لجماعة الإخوان المسلمين".

 

لكنها رأت أن "مصر في عهد السيسي تغرق حاليًا في بؤس اقتصادي عميق وقمع داخلي ممنهج، مما يخلق بيئة خصبة للتطرف الخفي. وبفتحه الباب أمام تعاون عسكري مكثف مع أردوغان، يستورد السيسي القوة الناعمة الإسلامية على النمط التركي إلى مجتمع شديد الحساسية".

 

وقالت إن "هذا التطبيع يمنح الأيديولوجية، دون قصد، الشرعية السائدة التي تحتاجها لتتفاقم تحت السطح".

 

قلب موازين القوى الهشة

 

وخلصت الصحيفة إلى أن تعميق العلاقات العسكرية بين القاهرة وأنقرة يُؤدي إلى قلب موازين القوى الهشة رأسًا على عقب. فإلى جانب المناورات المشتركة، "استكشفت مصر إمكانية المشاركة في برنامج المقاتلة الشبحية التركية "كان"، ووقّعت اتفاقيات مع شركات دفاعية تركية لإنتاج طائرات مسيّرة متطورة محليًا".

 

وأوضحت "يؤدي هذا المستوى من التكامل الدفاعي إلى بناء قدرات تقنية وتشغيلية مشتركة تغير الافتراضات الاستراتيجية التقليدية للمنطقة".

 

وحثت الصحيفة إسرائيل على أن تحذر حلفاءها الغربيين صراحة، وبخاصة الولايات المتحدة، من أنه يجب إعادة تقييم المساعدات المالية والعسكرية غير المشروطة للقاهرة إذا استمرت مصر في بناء محور استراتيجي مع نظام تركي معادٍ يدعم حماس.

 

وقالت: "يجب على إسرائيل أن ترد بدبلوماسية حازمة وواضحة، وأن تستغل العلاقات الأمنية للمطالبة بإشراف صارم على كيفية مشاركة أو دمج التكنولوجيا التي توفرها الولايات المتحدة، بما في ذلك أساطيل طائرات إف-16 المستخدمة في التدريبات الأخيرة، أثناء المناورات المشتركة".


وأوصت أيضًا أجهزة الاستخبارات بتتبع العقائد التكتيكية المحددة والمعدات المشتركة بين أنقرة والقاهرة.

 

وحذرت من أنه "إذا استمرت إسرائيل في التراخي، فسوف تواجه قريبًا محورًا مدججًا بالسلاح ومتناسقًا للغاية على حدودها الجنوبية، بقيادة إسلامي متقلب في أنقرة ورجل قوي يعاني من ضائقة اقتصادية في القاهرة".

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/skruietqzl